ابراهيم بن عمر البقاعي

287

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لَكُمْ مِنْهُ أي لا من غيره نَذِيرٌ أي من أن يفر أحد إلى غيره فإنه لا يحصل له قصده . ولما أقام الدليل العقلي الظاهر جدا بما يعلمه أحد في نفسه على ما قاله في هذا الكلام الوحيد قال : مُبِينٌ * ففرار العامة من الجهل إلى العلم عقدا وسعيا ، ومن الكسل إلى التشمير حذرا وحزما ، ومن الضيق إلى السعة ثقة ورجاء ، وفرار الخاصة من الخير إلى الشهود ، ومن الرسوم إلى الأصول ، ومن الحظوظ إلى التجريد ، وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق إشهادا في شهود جلاله واستغراقا في وحدانيته ، قال القشيري : ومن صح فراره إلى اللّه صح فراره مع اللّه - انتهى . وهو بكمال المتابعة ليس غيره ، ومن فهم منه اتحادا بصفة أو ذات فقد ما حد طريق القوم فعليه لعنه اللّه . [ سورة الذاريات ( 51 ) : الآيات 51 إلى 55 ] وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ ( 51 ) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ( 52 ) أَ تَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 53 ) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ( 54 ) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ( 55 ) ولما ثبت أنه لا ملجأ إلا إلى اللّه الواحد المنزه عن الزوج ، وذلك هو اللّه الذي له الكمال كله ، وكان ربما وقع في وهم أن في الوجود من غير الزوجين المعروفين من نفزع إليه كما نفزع إلى وزير الملك وبوابه ونحو ذلك مما يوصل إليه ، قال محذرا من سطواته : وَلا تَجْعَلُوا أي بأهوائكم مَعَ اللَّهِ وكرر الاسم الأعظم ولم يضمر تعيينا للمراد لأنه لم يشاركه في التسمية به أحد وتنبيها على ما له من صفات الكمال وتعميما لوجوه المقاصد لئلا يظن ، وقيل « معه » إن المراد النهي عن الجعل من جهة الفرار لا من جهة غيرها إِلهاً . ولما كان المراد كمال البيان ، منع مجاز التجريد منع تعنت من يطعن بتكثر الأسماء كما أشار إليه بقوله قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ الآية بقوله : آخَرَ ثم علل النهي مع التأكيد لطعنهم في نذارته فقال : إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ أي لا من غيره فإن غيره لا يقدر على شيء نَذِيرٌ أي محذر من الهلاك الأبدي بالعقوبة التي لا خلاص منها إن فعلتم ذلك مُبِينٌ * أي لا أقول شيئا من واضح النقل إلا ودليله ظاهر من صريح العقل . ولما ذكر قولهم المختلف الذي منه تكذيب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ونسبته إلى السحر والجنون وغير ذلك من الفنون ، ومنه الإشراك مع اعترافهم بأنه لا خالق إلا اللّه ولا كاشف ضر غيره إلى غير ذلك من أنواع الاضطراب ، وأخبر بهلاكتهم على ذلك وحذرهم منه ودل عليه إلى أن ختم بإنذار من اتخذ إلها غيره قال مسليا : كَذلِكَ أي مثل قول قومك المختلف العظيم الشناعة ، البعيد من الصواب ، بما له من الاضطراب ،